ابن الجوزي
16
زاد المسير في علم التفسير
" الوقر " : ثقل السمع ، يقال : في أذنه وقر ، وقد وقرت الأذن ، توقر . قال الشاعر : وكلام سئ قد وقرت * أذني عنه وما بي من صمم والوقر ، بكسر الواو ، أن يحمل البعير وغيره مقدار ما يطيق ، يقال : عليه وقر ، ويقال : نخلة موقر ، وموقرة ، وإنما فعل ذلك بهم مجازاة لهم بإقامتهم على كفرهم ، وليس المعنى أنهم لم يفهموه ، ولم يسمعوه ، ولكنهم لما عدلوا عنه ، وصرفوا فكرهم عما عليهم في سوء العاقبة ، كانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع . ( وإن يروا كل آية ) أي : كل علامة تدل على رسالتك ، ( لا يؤمنوا بها ) . ثم أعلم الله عز وجل مقدار احتجاجهم وجدلهم ، وأنهم إنما يستعملون في الاحتجاج أن يقولوا : ( إن هذا ) ، أي : ما هذا ( إلا أساطير الأولين ) وفيها قولان : أحدهما : أنها ما سطر من أخبارهم وأحاديثهم . روى أبو صالح عن ابن عباس قال : أساطير الأولين : كذبهم ، وأحاديثهم في دهرهم . وقال أبو الحسن الأخفش : يزعم بعضهم أن واحدة الأساطير : أسطورة . وقال بعضهم : أسطارة ، ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد ، نحو عباديد ومذاكير ، وأبابيل . وقال ابن قتيبة : أساطير الأولين : أخبارهم وما سطر منها ، أي : ما كتب ، ومنه قوله [ تعالى ] : ( ن . والقلم وما يسطرون ) أي : يكتبون ، واحدها سطر ، ثم أسطار ، ثم أساطير جمع الجمع ، مثل قول ، وأقوال ، وأقاويل . والقول الثاني : أن معنى أساطير الأولين : الترهات . قال أبو عبيدة : واحد الأساطير : أسطورة ، وإسطارة ، ومجازها مجاز الترهات . قال ابن الأنباري : الترهات عند العرب : طرق غامضة ، ومسالك مشكلة ، يقول قائلهم : قد أخذنا في ترهات البسابس ، يعني : قد عدلنا عن الطريق الواضح إلى المشكل ، وعما يعرف إلى مالا يعرف . و " البسابس " : كما الصحاري الواسعة ، والترهات : طرق تتشعب من الطريق الأعظم ، فتكثر وتشكل ، فجعلت مثلا لما لا يصح وينكشف . فإن قيل : لم عابوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، وقد سطر الأولون ما فيه علم وحكمة ، وما لا عيب على قائله ؟ فعنه جوابان : أحدهما : أنهم نسبوه إلى أنه ليس بوحي من الله . والثاني : أنهم عابوه بالإشكال والغموض ، استراحة منهم إلى البهت والباطل . فعلى الجواب الأول تكون " أساطير " من التسطير ، وعلى الثاني تكون بمعنى الترهات ، وقد شرحنا معنى الترهات .